أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
41
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
موضع رفع بالابتداء ، والجملة التي بعده الخبر ، والهاء في « مِنْهُ » تعود أيضا على العذاب » . قلت : فقد ترك المبتدأ بلا رابط لفظي حيث جعل الهاء عائدة على غير المبتدأ ، فيكون العائد عنده محذوفا ، لكنه قال - بعد ذلك : « فإن الهاء في « مِنْهُ » تعود على اللّه - جل ذكره - و « ما » و « ذا » اسما واحدا كانت « ما » في موضع نصب ب « يَسْتَعْجِلُ » ، والمعنى : أي شيء يستعجل المجرمون من اللّه » . فقوله هذا يؤذن بأن الضمير لما عاد على غير المبتدأ جعله مقدما ، وهذا الوجه بعينه جائز فيما إذا جعل الضمير عائدا على العذاب ووجه الرفع على الابتداء جائز ، فيما إذا جعلت الضمير عائدا على اللّه - تعالى - إذ العائد الرابط مقدر كما تقدم التنبيه عليه . قوله : أَ ثُمَّ . قد تقدم خلاف الزمخشري للجمهور في ذلك حيث : يقدر جملة بين همزة الاستفهام وحرف العطف ، و « ثُمَّ » حرف عطف وقد قال الطبري - ما لا يوافق عليه فقال - : « وأثمّ » هذه بضم الثاء ليست التي بمعنى العطف وإنما هي بمعنى : هنالك فإن كان قصد تفسير المعنى وهو بعيد فقد أبهم في قوله ، لأن هذا المعنى لا يعرف في « ثُمَّ » بضم الثاء ، إلا أنه قد قرأ طلحة بن مصرف « أثمّ » بفتح الثاء ، وحينئذ يصح تفسيرها بمعنى : هنالك . قوله : « الآن » قد تقدم الكلام في « الآن » وقرأ الجمهور « آلان » بهمزة استفهام داخلة على « الآن » ، وقد تقدم مذاهب القراء في ذلك . « الآن » نصب بمضمر تقديره : الآن آمنتم ، ودل على هذا الفعل المقدر الفعل الذي تقدمه ، وهو قوله : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ولا يجوز أن يعمل فيه « آمَنْتُمْ » الظاهر ، لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده ، كما أن ما بعده لا يعمل فيما قبله ، لأن قبله صدر الكلام وهذا الفعل المقدر ومعموله على إضمار قول أي : قيل لهم إذ آمنوا بعد وقوع العذاب أآمنتم الآن به . والقراءة بالاستفهام هي قراءة العامة ، وقد عرفت تخريجها . وقرأ عيسى وطلحة « آمنتم به الآن » فوصلا الهمزة من غير استفهام ، وعلى هذه القراءة ف « الآن » منصوب باسم هذا الظاهر . قوله : « وَقَدْ كُنْتُمْ » جملة حالية . قال الزمخشري : وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يعني : تكذبون ، لأنّ استعجالهم على جهة التكذيب والإنكار . قلت : فجعله من باب الكناية ، لأنه دلالة على الشيء بلازمه نحو : « هو طويل النّجاد » كنيت به عن طول قامته ؛ لأن طول نجاده لازم لطول قامته ، وهو باب بليغ . قوله : ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا . هذه الجملة على قراءة العامة عطف على ذلك الفعل المقدر الناصب للآن ، وعلى قراءة طلحة هو استئناف إخبار يقال لهم يوم القيامة و « ذُوقُوا » و « هَلْ تُجْزَوْنَ » كله في محل نصب بالقول . وقوله : « إِلَّا بِما » هو المفعول الثاني ل « تُجْزَوْنَ » والأول قائم مقام الفاعل ، وهو استثناء مفرغ . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 53 إلى 56 ] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 53 ) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 54 ) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 56 )